Blog Post

لحظة قبل الكارثة

لحظة قبل الكارثة

بقلم.. محمود غازي

​ذلك الطفل يولد محباً للحياة، متمسكاً بها، لديه القدرة والذكاء على التعرف على الأشياء ومتابعة التفاصيل وحفظ الملامح ليستوعبها، ويكتشف الفرق بين الأمان والخطر، كذلك لديه من الطاقة ما يستطيع به تغيير أماكن الأشياء المرتبة ليكون مزعجاً أحياناً ولطيفاً أحياناً أخرى. وتمضي به رحلة الاستكشاف وتكوين التصور النهائي لكل شيء محيط، ليكبر ويصبح شاباً يافعاً يحلم بمستقبل رائع وحياة سعيدة، يحارب من أجل الوصول إلى الهدف، ويسابق الوقت لتكوين القدرة على تحمل المسؤولية بمفرده.

مواجهة الواقع وبداية الصراع

فما إن صار قادراً على تحملها، أُعطيت له الفرصة الطبيعية لذلك لتبدأ رحلة المعاناة من كم المسؤوليات الشاقة، ليجد نفسه أمام أهوال أقوى من أن يتحملها؛ فقد بدأ يتخلى عن الرفاهية تدريجياً لتبدأ بداية رحلة أخرى من حياته لا نجاة منها غير مواصلة الهمة والنشاط حتى لا ينوء بحمل ثقيل، إلا أن الفكرة الخبيثة تبدأ من هنا، تحدثه نفسه أنه لم يُخلق ليشقى ويتعب ويتحمل مسؤولية، وأن من سبقوه لم يتحملوها هكذا، وأنه الآن بمفرده، أمراً لم يكن يضعه في الحسبان، فتقل الهمة والنشاط وتغيب الأهداف ويظلم المستقبل..

الموازنة بين المسؤولية والطاقه في الحياة

​وعلى الصعيد الآخر إنسان استطاع الموازنة بين ما عليه من مسؤوليات شاقة وبين طاقته القصوى في الحياة ليستمر في إعمار الأرض ما استطاع، ويستمر في مواصلة تحقيق أهدافه التي تأتي بعد تعب شاق وبعد صبر تبدأ تؤتي ثمارها بالخير والنفع له ولغيره، واستحالة أن تتكون لديه فكرة التناقض بين التمسك بالدين والحياة وبين الرحيل عن عالمكم المزعج المرهق الشاق، وعقد العزم على التخلص من أزماته ومشاكله بالهجرة إلى عالم آخر؛ فكرة شيطانية، صراع داخل النفس ما بين التمسك بتعاليم الدين وبين مغادرتها بفكرة شيطان، صراع البقاء على قيد الحياة ومواجهة كل الظروف والتحديات التي حتماً لديه من القدرة التغلب عليها، لكنه يغلق سمعه وبصره مصراً على قرار آثم قد اتخذه بالهجرة والخروج من هذا العالم، ظناً منه أنه اختار النوم الأبدي أو الراحة الطويلة أو رحلة سعيدة بأحلام وردية، متجاهلاً ومتناسياً قيومية الحق تبارك وتعالى على خلقه، وأنه لم يخلقنا عبثاً نتجول بين أكوان مختلفة أو بين عوالم خفية أو بين كواكب أخرى لا ندركها ولا نعلمها..

اليقين بالله هو طوق النجاة

​كيف يتشبث بالحياة والموت معاً؟ كيف ذلك والموت والحياة مختلفون تماماً في الصورة والشكل والطعم والشعور؟ تظل الفكرة تقلق تفكيره حتى يقع في شباك المغادرة.. ليس إنهاء الحياة هو الحل البديل وليس هناك من بديل غير الاستمرار بالصبر والعمل ومواصلة الطريق إلى نهايته… نحن في الدنيا خُلقنا للعبادة وعلينا من التكليف أن نعبد الله حق العبادة وندع باقي الأمر لله؛ السعي لله، المشقة لله، الحزن لله، المرض لله، الفرح لله، السعادة لله. دع كل ما يؤلمك ويؤذيك وما يفرحك ويسعدك لله. قد تشعر ببعض الناس من حولك أعداء لك، فهل تشعر وترى الله جل وعلا عدواً لك؟ بل عدوك الحقيقي الشيطان والفكرة السيئة بالمغادرة، ذلك الشيطان الذي استحوذ على عقلك بفكرة مضمونها زائف ووعدها مخزٍ؛ ليكن يقينك أن وعد الله حق وحكم الله نافذ، وانتبه لن ينفعك إلا عملك، فلا تختم أعمالك بما لا يرضي الله، ليكن إخلاصك في عملك وعبادة الله والسير على نهج وخطى النبوة هو تمسكك بحياتك..

​في الختام لنزرع الخير بالحب ونرويه بالتفاؤل، واصبر لتحصد وتجني ثمار الخير.. ولا تهلك نفسك ولا حرثك ولا نسلك بالهجرة إلى عالم حُرم عليك أن تهاجر له برغبتك، إنما بأجلك الذي أُجّل لك.. وتزود بما يكفي قبل يوم الحساب.

Leave a comment

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *